السيد محمد تقي المدرسي

473

من هدى القرآن

الذي دعا إليه كل الرسل والصالحين ( ممن تعترف البشرية بفضلهم ) وهذا الرسول يعرفونه بإخلاصه ، وصدقه ، وأمانته ، فلماذا ينكرونه ، وهل يعقل أن يكون به جنة ؟ ! كلا . . إنما سبب جحودهم له دعوته إلى الحق ، والحق يكرهه أكثر الناس بجهالتهم واتباعهم للشهوات . ثم إن الكون قد خلق وفق سنن وأنظمة ، بعضها نعرفها بواسطة العلوم البشرية نسميها القوانين الطبيعية . كجاذبية الأرض ، وانسياب النور ، وانفلاق الحبة من التربة الصالحة ، وبعضها الآخر قوانين غيبية مثل غفران الله للمذنبين التائبين ، أو تعذيبه للمجرمين يُذكِّر بها الوحي . وسواء هذا أو ذاك ، فإنَّ هذه القوانين هي الحق . الذي خلق الله وفقه السماوات والأرض ، والذي لو زال وحلَّ مكانه الهوى والباطل لفسد الكون في لحظة . وعلى الإنسان أن يستجيب للحق الذي قامت به السماوات والأرض ، ويكفينا دليلًا على ذلك حياة الإنسان ، فهو يعيش ضمن سنن لا يحيد عنها كالجوع ، والعطش ، والنوم ، إلا سنة واحدة أعطي الاختيار فيها بين آلاف السنن والقوانين ، بعد أن بيَّن الله له أبعادها ، ومع ذلك فإنه قد يحطم نفسه والأرض بهذا الاختيار . وأنت أيها الإنسان اعتبر بهذه الحقيقة ، فإنك لو أعرضت عن الحق ، واتبعت الباطل والهوى فإنَّ حياتك ستفسد ، وستفسد الآخرين . بينات من الآيات : [ 63 ] بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا تلفها الشهوات ، من كل جانب ، كما لو أنها رسبت في لجة آسنة . وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ أعمال الإنسان تنطلق من فكره وقلبه ، وما دامت قلوب هؤلاء مغمورة في الشهوات فإنها لا يصدر عنها إلا السيئات ، ولعلَّ كلمة مِنْ دُونِ ذَلِكَ تشير إلى هذه الحقيقة ، أو إلى أن الأعمال الإجرامية التي يمارسونها على فظاعتها تعتبر دون أفكارهم الضالة ، فإن خبث العقائد الفاسدة أشد من خبث الأفعال المنكرة . [ 64 ] حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ ولم يقل الله ( حتى إذا أخذناهم بالعذاب ) وهذا التحويل في لحن السياق القرآني لعلَّه يدل على فكرة معينة هي أن الله لا يأخذ كل المغمورة قلوبهم بالعذاب ، بل يأخذ المترفين منهم ، والآيات التي تلي هذه الآية تفسرها . وهذه من خصائص السياق القرآني أنه يفسر بعضه بعضا .